أنــــدلـــــــس

عُصارةُ روحنا نفذت ...

وظل الكأس شاهداً على الغياب

 http://ahmadsalman551.jeeran.com/11.jpg
     الحياة ليست ما يعيشه أحدنا
وإنما هي ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه
غابرييل غارسيا ما ركيز
 
 
      كانت سما  تقف خلف النافذة ترقب دونما اهتمام واضح أو مبالاة أمواج البحر, والشمس
تشق طريقها اليومي المعتاد بين غيوم بيضاء وأخرى داكنة تتزاحم هنا وهناك معلنة قدوم تشرين ,زخات خفيفة ومتقطعة من المطر ونسمات هواء عذبة محملة برائحة البحر والأرض بعد المطر تملأ المكان. ودونما سابق انذار سيل من الذكريات غزير يكتسح الذاكرة , فالمشهد التشريني اثار شجونها , فتهاوى ذاك الجدار الذي كان يشكل سوراً حول الذاكرة .
ففي صباحات هذا الأسبوع لطالما شعرت بخدر دافئ يلملم ذكريات لأغنيات عذبة على فمها المرهق تدندن بها دون أن تكملها, فمنذ أكثر من هزيمة وهي تحاول أن تخرج من ذهول الصمت المطبق الذي توّج سواد تلك الأيام . لم تشأ أن تستلم للحالة التي وصلت إليها , شعرت بأن صدرها لم يعد يتسع لقبها , لم يكن لديها رغبة بالخروج رغم كل المغريات التي قدمتها الطبيعة لها , ولكنها لم تدر لِمَ خرجت راكضة باتجاه الشاطئ , قاذفة نعليها للأعلى بطريقة طفولية محببة . بها رغبة شديدة لتخفف حدّة الهجوم الكاسح على الذاكرة .
-تباً لتلك الذاكرة فهي طريقنا اليومي لاستعادة أشياء شئنا أن نغادرها ولم تغادرنا .
- هأنذا مثل سحابة أمطرت فتلاشت في العدم . تمتمت في سرها .
فهي لم تنس ذلك اليوم الذي تعرفت به على تميم فقد كانت تمر بمرحلة دقيقة وحرجة من عمرها الذي تجاوزت فيه الثلاثين عاما بسنتين . كانت لتوها خارجة من خيبة مريرة , أقعدتها عن ممارسة أي شيء باستثناء الألم . لم تدر أيضاً وأيضاً  أنّ معرفتها به سيدق مسماراً جديداً في نعش قلبها . ازداد الهجوم عنفاً
وراحت أصوات غريبة تتعالى رأسها :
- ما كان كان ... ما كان كان  ...  حاولي مرة أخرى  لن تخسري شيئاً .
عبثا تحاول إشغال نفسها بأمواج البحر العالية , وهي تتقاذف مراكب الصيادين القديمة 
أوبنسمات الهواء التي كانت تداعب وجهها  بحنين موجع , لا ينفك يعيدها لأيام معه , يعود الصوت ليرتفع  من جديد :
-   ماكان كان ...ما كان كان ... لن تخسري  شيئا .
 وتتيه سما بين سماءين , سماء من ذاكرة ورغبة وسماء من واقع وألم , ولا تعرف على أيّة سماء تحط قدميها  .
 في تلك الفترة بدأت تشعر بمرور خريف عمرها , وبدأت تعيش ربيعه المتألق مع تميم . ما لم تكن تعرفه كيف يعشّق الشوق نفسه في مسام نخاع الانسان وتلافيف جسده, ثم فجأة ودونما سابق انذار يفيض هذا الشوق كنيلٍ ينتظر قربانه .
  كان الوقت معه  يمر مسرعاً دون أن تشعر به . كانت تعيش حالة شبه إكتفاء عاطفي من كلماته المنتقاة بعناية مفرطة التي تحمل الكثير من الايحاءات والدلالات التي فسرتها بحبه لها . 
كل ما عرفته في تلك اللحظات أن حبها للحياة قد ازاداد , وتعلقها بالصباح قد كبر وانبهارها بالليل أصبح مكتملا , فعرفت أنها عاشقة له .  فبدت لنفسها وكأنّها ولدت من جديد . 
أثناء مرور شريط ذكريات السريع هذا, كانت تمشي حافية القدمين على شاطىء من الرمال الذهبية . حررت شعرها من ربطة كانت تشدها عليه وأطلقت ساقيها للريح بمحاذاة البحر تدفعه أمامها بقدميها الناعمتين . 
 كانت تشعر برغبة جامحة لتتحد مع أمواجه الغاضبة فلربما تطهرها المياه المالحة من خطايا تظّن أنها ارتكبتها , فتعيدها  طاهرة نقية كما كانت . لم تعد تذكر من زرع مثل هذه الافكار في رأسها ,تعبت,اختارت صخرة قريبة من الشاطئ جلست عليها . وبدأت تتلمس آثار الامواج عليها , وأوجست أنها كتلك الصخرة بما تعرّضت له من حوادث ادمت قلبها .
كانت كل موجة من أمواج البحر تحمل لها ذكرى معتقة برائحة الحزن..فتلك دعواتها ووانبهاراتها واهتماماتها فيه .
وتلك أخرى أشد قوة من سابقتها تحمل عبء ما كانت تقوله لكل صديقاتها عنه وكيف صورته حتى خيّل للبعض منهن أنه ملاك بهيئة بشر , وتلك ثالثة تحمل ما تحمله من قسوة وتلك التي آذنت ببدء مرحلة جديدة من العلاقة معه , عندما بدأ ذلك البريق في عينيه يختفي  و لم يعد كلامه كسابق عهده . لم يعد ينتظرها  قبل الموعد بساعات كما كان يدّعي
 لم ........  ولم  ...   ولم  ....... .
 تتذكر ودموع سوداء ترسم طريقاً في وجهها كما تفعل الجداول و الأنهار , عبثا كانت تحاول أن تجد تفسير يقنعها بما حدث له , وعندما سألته كان قد قرر مغادرتها وإلى الابد دون أن تدري لماذا  ؟؟
 سألته لماذا ؟؟ 
 قال لها : تميم..... مااااااات .
- مات ..! كيف ؟ولماذا ؟  وقد أخبرتني أن الموت لا وجود له والناس يموتون عندما يطويهم النسيان , ولكن حين نستطيع تذكرهم ويكونون معنا دائماً ,  فالموت لا وجود له ..
 وتغط بضحكة غائمة يشوبها الدمع الاسود ومرارة تزرع الجسد بكل تفاصيله برائحة الدفلى التي تكاد تقضي عليه . كم كانت تكره ضعفها وهي تتذكر هذا الأمر. 
 كانت تعيش هذا الهاجس و الصراع فتخرج للبحر كلما لاكها هذا الشعورعلّها تتخلص منه. تجلس في مقهى بحري اكتشفت وجوده مؤخراً في إحدى نوبات الجنون التي كانت تعتريها . كانت تجلس فيه لساعة أو ساعتين تمشط خيبات الأمل وتجملها,عندما اكتشفت أنها أصبحت محور اهتمام من كان يجلس على طاولة في أقصى زاوية المقهى , يقرأ صحفاً وأوراقاً ويدخن بنهم ويراقبها دون أن تشعر .
استساغت اللعبة وتابعتها معه. ومضيا بلعبتيهما لفترة لا تزيد عن ثلاثة اسابيع عندما تقدم فجأة من طاولتها في أحد الصباحات الباردة وطلب الجلوس فوافقت على الفور دون تردد مع أنها كانت تريد أن تقول لا . طلبت له فنجاناً من القهوة .
تعارفا , وعلى تلك الطاولة التي أصبحت تجمعهما مع بعض أوراق يضم جسدها بيديه المرتعشتين ولكم تمنت أن تكون مكانها ولكنها كبتت هذه الرغبة ولربما قد أخفت أكثر من هذه الرغبة .
ذات لؤم انثوي و بدون سبب معلن امتطت صهوة الذاكرة وهامت في فضاءات تتلمس وجوهاً لم يبق إلا ظلها وصدى صمتها ، راحت تحدثه عن نشرتها النفسية والعاطفية , تحدثت بإسهاب عن ما حدث معها , كان ينظر إليها باهتمام مدروس متعمد مثير , ويستمع إليها وصوت فيروز يشكل خلفية موسيقية لحديثما , ليقطع صهيل وجعها  بكلماته المرتجلة  :
 
كاد قلبي يشق جنون الليل المبحوح
ليجلد روحك بسياطات ندم ...
ويغسل  تعب الأحلام
 السماء تبكي ضحكات ناعسة 
وقلبي الذي يتكبّد أحزانه القاتلة
 سينشطر  قسمين
 أيّة امرأة أنت ؟؟
يا امرأة تسرّب إلى ربيع عمرها الملل
 تقف على حدود الكلمة 
 أشعر بما يعمّدك من أرق 
يا امرأة الخيبات الثلاثين واثنتين
 فجر جديد بانتظارك
 يقبع هناك ما بين إغفاءتين
 
بهذه الكلمات القليلة كان يستدرجها نحوه شيئاّ فشيئاً فإذا بها بدأت تعي ما لم يكن أول الأمر بالحسبان , نظراته , كلماته , دخان سيجارته , جعلت  كل شيء يبدو أمامها ضئيلاً  مهما كان كبيراً.
كانت كلما تعثرت بكلماته تحس بفرح يغمرها تسهر معها وصوت فيروز لا يفارقها ولا يغفو لها جفن حتى تكون  قد التهمه حتى آخر حرف . 
 كانت ملاذها كلما شعرت بوحدة أوغربة ذاتية أو قشعريرة حزن تسري في جسدها  تعود إليها وكأنها صلاتها  فتنزاح همومها  وتشعر براحة تسري في كيانها  .
 في تلك الجلسة كان حضوره طاغيا على كل شيء وعندما رفعت رأسها وجدت نفسها وحيدة خرجت من المقهى تلبس خيبة جديدة وظل الكأس على الطاولة  شاهداً على الغياب و الألم حقيقة عارية وكل ما عداه يخضع لمبدأ الشك والاريتاب .
 
  
أشكر  الصديقة  ( حنين ) التي  أوحت لي ببعض من الأفكار .
 
 


أضف تعليقا

mobadara2 من المغرب
25 فبراير, 2008 02:21 ص
أسلوب جميل ورقيق وإبداع راقني كثيرا وأعجبت به كما أعجب بسوريا بلد الإبداع والتحدي.. فتحياتي لك ولشعب سوريا واحدا واحدا.. سلم لي على بشار..
joe75
27 فبراير, 2008 06:09 ص
أحمد ..أأنت حيّ تـُرزق يا رفيقي ؟؟

إن كان الجواب نعم ..فـكيف أنت ؟

مـلـّى انت .

كاسك .
hneenalrooh من سوريا
27 فبراير, 2008 08:42 م
العذب أحمد
مبروك مولودك الحلو الجديد
شو هالقصة .........؟!
ياخد العقل اسلوبك والصور ..
سردك مابينشبع منه
تمنيت أقرأ بعده مجموعة تانية
بس عندي احتجاج بسيط ليش ماسميت البطل تيم...؟
اتفقنا على هالاسم صح؟
بس والله حلو كتير
عقبال ماأقرألك رواية يارب
hneenalrooh من سوريا
27 فبراير, 2008 08:59 م





( كاد قلبي يشق جنون الليل المبحوح
ليجلد روحك بسياطات ندم ...
ويغسل تعب الأحلام
السماء تبكي ضحكات ناعسة
وقلبي الذي يتكبّد أحزانه القاتلة
سينشطر قسمين
أيّة امرأة أنت ؟؟
يا امرأة تسرّب إلى ربيع عمرها الملل .
تقف على حدود الكلمة
أشعر بما يعمّدك من أرق
يا امرأة الخيبات الثلاثين واثنتين
فجر جديد بانتظارك
يقبع هناك ما بين إغفاءتين )



رائعة
shahrazad30
03 مارس, 2008 09:02 ص
تراها من تكون ؟...

تلك التي تشبهني حدود التطابق الابكم ...

موجها ونعليها ..

وخيباتها الثلاثين واثنتين ...


لاتكاد تنفصل عني انها تنسلخ عن جلدي...

في كل مرة تقطع انفاس الكتابة ...

بدفقات هواء ثقيل .. وحدك يجيد قياس معياره ...

دمت قادرا على ابتكار الدهشة

شهرزاد
hneenalrooh من سوريا
08 مارس, 2008 11:13 ص
احمد
ليش هالغياب
وين اراضيك؟؟؟؟
اتمنى تكون بخير